الشيخ محمد رشيد رضا

130

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وما صح في الأحاديث في أبوي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وعميه أبي طالب وأبى لهب ، لاثبات قاعدة عظيمة في الفرق بين دين اللّه تعالى على ألسنة أنبيائه ورسله والأديان الوثنية ، وهي أن دين اللّه تعالى مبني على أن مدار السعادة والنجاة من عذاب الآخرة والفوز بنعيمها انما هو الايمان الصحيح والأعمال الصالحة التي تتزكى بها الأنفس وتكون بصفاتها العالية أهلا لجوار اللّه تعالى ومرضاته . وأن الأديان الوثنية مبنية على أن السعادة والنجاة والفوز إنما تكون بوساطة بعض المخلوقات التي توصف بالولاية والقداسة أو النبوة ويدعى لها التأثير في النفع والضر بأنفسها أو بالشفاعة عند اللّه تعالى وكونها تحابي بشفاعتها ووساطتها أولي القرابة منها والمتقربين إليها بالمدح لها والاستغاثة بها ودعائها من دون اللّه أو مع اللّه عز وجل وقد كان أبو لهب اغنى بني هاشم ومن أكثر المشركين غرورا بماله وثروته ونشبه ونسبه وكان بهذا الغرور أول من جاهر بعداوة ابن أخيه ( محمد رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه ) محتقرا له لأنه كان هو وأبوه الذي لم يدركه وعمه الذي كفله بعد جده افقر بني هاشم ، وقال له حين جمع عشيرته وبلغهم دعوة ربه امتثالا لامره ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ) : تبالك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ وكان يقول لقريش : خذوا على يديه ، قبل أن تجتمع العرب عليه وكان أشد المشركين صدا للناس عنه وتكذيبا له كلما دعا أحدا منهم إلى الاسلام ، وكان كلامه مقبولا عندهم أكثر من كلام سائر الرؤساء الذين جاهروا بعداوته كأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وأبي سفيان بن حرب لقرابته ، وكذلك كانت امرأته أم جميل أخت أبي سفيان مسرفة في عداوته وذمه والصد عن دعوته بالتميمة ونقل الاخبار الكاذبة عنه لتبضيضه للناس ، وهو المراد من كنيتها « حمالة الحطب » كما هو معروف عند العرب . وروي أنها كانت تجمع الحطب الشائك وتلقيه في طريقه بالفعل ، ومع هذا كله لم تكن السورة التي نزلت فيه الادعاء عليه بالتباب وهو الخسار المفضي إلى الهلاك أو اخبارا به ، وبكونه لا يغنى عنه ماله الكثير وما كسبه من الجاه والولد شيئا - في مقابلة قوله للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم تبالك سائر اليوم - فهو إخبار بعاقبة أمرهما وموتهما على كفرهما ، وخسرانهما سعادة الدنيا والآخرة ، وقد صدق